هل يمكن هزيمة إيران ؟ ، وكيف تنتصر ؟ ..
تلك أسئلة هامة في ظل حرب بدأها نتنياهو بعد أن جرجر معه أخيراً دونالد ترامب .
وقد حاولت في لقاء مع دبلوماسي غربي في القاهرة إستكشاف بعض مقتربات هذه الحرب التي طالت بأكثر مما قدّر صانعوها ، ودار حديث طويل تضمن أسئلة من الدبلوماسي حول مقالي الأول في هذه السلسلة (النقطة الأولي ) ، ضمن أسئلة أخري تقارعت فيها الآراء حول موضوعات أخري تدور حول الإستراتيجية ، ومدي صمود إيران ، وكيفية الخروج من هذه الأزمة .. إلخ .
سوف أحاول بأكبر قدر من التلخيص أن أنقل في هذا المقال ، أهم ما أبديته من آراء تتكامل مع موضوع مقالي الأول ، مع الإشارة كلما كان ذلك ضرورياً إلي آراء الدبلوماسي الغربي ( والتي صاغ معظمها – بحكم المهنة – في شكل أسئلة ) :
لتفسير المقاومة التي تبديها إيران ، أوضحت ما أطلقت عليه “النفسية الكربلائية” كأحد أهم العناصر المركزية في فهم تداخل الدين والسياسة في الحالة الإيرانية المعاصرة ، والتي تؤكد توظيف واقعة "كربلاء "في الوجدان الشيعي بوصفها نموذجًا معياريًا للصراع بين العدل والظلم، والشهادة والصمود، بما يتجاوز بعدها الديني إلى تشكيل إطار ثقافي-سياسي يؤثر في السلوك الجمعي وصناعة القرار، وامضيت بعض الوقت في تحليل البنية الرمزية لهذه النفسية، وتفسير كيفية انعكاسها على سلوك إيران في سياقات الحرب والسلم، مع التركيز على التوازن بين التعبئة الأيديولوجية والبراجماتية السياسية.
أشرت بشكل مختصر إلي أن ما يمكن أن نطلق عليه " المرجعية الكربلائية " تعود إلى واقعة مقتل الإمام الحسين بن علي عام 680م في كربلاء، والتي تحولت في الضمير والوعي الشيعي إلى رمز مركزي للمظلومية والرفض الأخلاقي للسلطة الجائرة ، ومع تطور الفكر الشيعي علي مر السنين ، لم تعد كربلاء مجرد حدث تاريخي، بل أصبحت “نموذجًا متكررًا” يعاد استدعاؤه في كل سياق يُنظر إليه كصراع بين الحق والباطل.. إلخ .
وفي إيران المعاصرة ، اكتسب هذا الرمز بعدًا سياسيًا متصاعدًا، خاصة بعد انتصار ثورة الخميني عام 1979، حيث أعادت الجمهورية الإسلامية صياغة خطابها السياسي على أساس من دمج الهوية الوطنية بالرمزية الدينية وتحويل مفاهيم “الشهادة” و“المقاومة” إلى أدوات تعبئة سياسية مع بناء سردية ثورية تعتبر الاستمرار في الصراع جزءًا من الواجب الأخلاقي .
أي أنه في إطار المظلومية التاريخية يتم إعتبار "الذات السياسية " بوصفها طرفًا مستهدفًا تاريخيًا، بما يعزز التماسك الداخلي في مواجهة التهديدات الخارجية ومن ناحية أخري تعبر ثقافة "الشهادة" عن نظرة إلى الموت في الصراع ليس بوصفه خسارة ، بل كإبراز لقيمة عليا، بما يرفع قدرة المجتمع على تحمل الكلفة البشرية للحرب، وقد كان ذلك واضحاً أثناء الحرب العراقية / الإيرانية التي استمرت ثمانية أعوام ، وهكذا وجدنا أن ثنائية الحق والباطل تقود إلي تبسيط الصراعات السياسية في إطار أخلاقي ثنائي، مما يمنح السياسات بعدًا قيمياً يتجاوز الحسابات المادية البحتة.
وبالرغم أنه قد لا تكون " تجربة الحرب مع العراق " نموذجا يتطابق مع الحرب الحالية ، وخاصة من زاوية حجم وقدرات العدو ووحشيته ، إلا أنه تبقي لهذه التجربة التاريخية أنها كإطار رمزي أسهمت بالفعل في رفع مستوى التعبئة الشعبية رغم طول أمد الحرب ، مع تقليل أثر الخسائر على انهيار الجبهة الداخلية ( وذلك رداً علي إستفسار حول القلق داخل المجتمع الإيراني الذي وجد تعبيراً عنه في بداية العام وقبل الحرب في شكل مظاهرات بدت وكأنها مقدمة للحرب ذاتها ) ، فلقد أسهم ذلك الإطار الرمزي في إنتاج خطاب تعبوي يربط الاستمرار في القتال بالواجب الديني ،وبذلك، يمكن القول إن “الكربلائية السياسية” أسهمت في بناء ما يمكن تسميته بـ“رصيد معنوي للصمود”.
في الإطارالسابق ، فأن النصر لا يُقاس – من وجهة النظر الإيرانية - فقط بالنتائج العسكرية المباشرة، بل بعوامل أخري أبرزها الثبات على المبدأ، وإمكانية الاستمرار رغم الخسائر، والإستمرار في الحفاظ على الهوية السياسية ، أو بمعني آخر تضاؤل مركزية المكاسب المادية لصالح المكاسب الرمزية.
وقد اعترض الدبلوماسي الغربي في المقابل، بأن هذا المنطق قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع إذا اعتُبرت تسوياته الدبلوماسية الممكنة “غير عادلة” ، علي أساس رفع سقف التوقعات القيمية في التفاوض من الجانب الإيراني ، صعوبة القبول بالتنازلات الجزئية .
ذكرت أن هذه النتائج ليست حتمية، بل تعتمد على تفاعل البنية الأيديولوجية مع حسابات الدولة ، بل أن الطرف الإيراني ( تماماً مثل حماس في غزة ، وحزب الله في لبنان ) قد نجح بالفعل فيما يمكن أن نطلق عليه " إستراتيجية الصبر الممتد" ، وهي تعني من ناحية أخري " قضم إرادة العدو في مواصلة القتال بشكل تدريجي ومنهجي ".
ولكن ينبغي الإعتراف بأن الإكتفاء بذلك وحده ، وإن كان يعرقل " الهزيمة " ، فأنه قد لا يقود أيضاً إلي " نصر " ، إذ تٌعِّقد هذه الإستراتيجية منطق التسوية ، حيث لا تدخل الاعتبارات الرمزية في الحسابات الدبلوماسية ، مثل ربط التسويات بمفاهيم “الكرامة” و“عدم الانكسار”، بما يجعل بعض التنازلات تبدو وكأنها مساس بالهوية الثورية.
ورغم عدم إقتناع الدبلوماسي الغربي بمنطق إدارة الصراع طويل المدي لمجرد تجنب " الهزيمة الإستراتيجية " ، إلا أنني آوضحت من خلال دراستي للفكر السياسي للثورة الإسلامية في إيران ( إبان عملي كمدير لشئون مجلس التعاون الخليجي واليمن في الخارجية المصرية ) ، أن ذلك الفكر يجمع ما بين ما سبق الإشارة إليه من خطاب تعبوي كربلائي ، وبين حرفية تجارة البازار الإيراني الشهيرة التي تكسب ذلك الخطاب جزءاً لا يستهان به من " البراجماتية السياسية " ، ودليلي علي ذلك ما انتهت إليه الحرب الطويلة مع العراق ، حيث ظل الخطاب التعبوي كربلائيا عالي النبرة ، لكنهم في نفس الوقت مارسوا سياسة مرنة أسهمت في التوصل إلي تفاهمات وإتفاقات ، بأسلوب " لا غالب ولا مغلوب " ، وهذه الازدواجية تشير إلى أن النفسية الكربلائية ليست “قيدًا حتميًا”، بل أداة ضمن أدوات الدولة ، بمعني أن الإفراط في تفسير السلوك الإيراني عبر هذا المنظور وحده قد يؤدي إلى تبسيط مخل، يتجاهل عوامل أخرى مثل الاقتصاد، الجغرافيا السياسية، وبنية النظام الإقليمي.
وختاماً لهذه النقطة من المداد، فإنه في عالم السياسة الدولية، لا تتحرك الدول فقط وفق حسابات القوة والمصالح وحدها ، بل أيضًا وفق سرديات تاريخية عميقة تشكّل وعيها بذاتها وبالآخرين، وهذه السرديات تتحول مع الوقت إلى “ذاكرة سياسية” تؤثر في قرارات الحرب والسلام، وتعيد تعريف مفاهيم النصر والهزيمة.
ويمكن أن نجد التعبير عن ذلك ليس فقط في الحالة الإيرانية بل في فيتنام، وروسيا والصين بل ومصر أيضاً في تاريخها الطويل ، حيث تتكرر الظاهرة نفسها " تحويل أحداث الماضي إلى إطار تفسيري دائم يوجّه الحاضر والمستقبل".
وسوف نتبع ذلك بنقطة أخري حول فرضية الإنكسار الإيراني، إذا سمحت الصحة والعمر بإذن الله .
وكل عام وأنتم بخير
--------------------------------------
بقلم : معصوم مرزوق
• مساعد وزير الخارجية الأسبق






